الدكتور أحمد مساعدة
الرئيسية » مقابلات »

في مقابلة حصرية مع جريدة الغد - الأمين السابق للاتحاد يؤكد أن الشعوب العربية انتفضت لتغيير واقعها - مساعدة: استقلت عندما اقتنعت أن أمور "اتحاد المتوسط" لا تسير نحو مصلحة الشعوب

في مقابلة حصرية مع جريدة الغد - الأمين السابق للاتحاد يؤكد أن الشعوب العربية انتفضت لتغيير واقعها - مساعدة: استقلت عندما اقتنعت أن أمور "اتحاد المتوسط" لا تسير نحو مصلحة الشعوب
الخميس, سبتمبر 1, 2016

حاورته: تغريد الرشق

عمان -  رأى الأمين العام السابق للاتحاد من أجل المتوسط الدكتور أحمد مساعدة، أن الجانب الإسرائيلي لم يقدم أي شيء إيجابي للاتحاد، من خلال استمراره في عملية الاستيطان، مؤكدا أن الدول العربية ظلت ترفض، باستمرار، التحاور مع إسرائيل داخل أروقة الاتحاد، جراء استمرار سياسات الاستيطان، واصفا وجهة النظر هذه، بأنها "جديرة بالاحترام".

وأضاف أنه إذا كانت القضية هي خلق حالة من التعاطي الاقتصادي والاجتماعي والحضاري في المنطقة بين سائر الدول بما فيها إسرائيل، فعلى كل الأطراف أن تقدم شيئا ملموسا، مشيرا إلى أن عملية السلام تمر بمنعطف خطير جدا، ما يطرح أسئلة حول النتيجة المتوخاة من التكامل والتعاطي الاقتصادي والاجتماعي، إذا كان الجانب السياسي غير منتج، ولا حلول في الأفق.

وفي أول حديث إعلامي للدكتور مساعدة عن أسباب استقالته من منصب الأمين العام لـ"الاتحاد من أجل المتوسط"، خص الوزير والسفير الأردني الأسبق "الغد" بهذا الحوار، مبينا أن المفاهيم التي تم ترشيحه للمنصب على أساسها "اختلفت" بعد توليه له، وأن هذا الاختلاف لم يتغير بعد مضي عام.
وقال إن هذا الاتحاد جاء استمرارا لمسيرة برشلونة سنة 1995، التي أتت بدورها على خلفية آفاق السلام في المنطقة، وكانت تأمل بأن تخلق خطا اقتصاديا اجتماعيا ثقافيا موازيا للخط السياسي بين الدول الـ43 الأعضاء، منها 27 من الاتحاد الأوروبي، أو ما يسمى بدول "الشمال" ، و16 دولة من جنوب المتوسط، وتشمل دولا عربية، وتركيا وإسرائيل، إضافة إلى دول أوروبية من البلقان، أو ما يسمى بدول "الجنوب".

وأكد أنه خلال الخمسة عشر عاما التالية لمسيرة برشلونة، وحتى نشوء الاتحاد العام 2008، تعطلت محادثات السلام، وتوسعت إسرائيل في استيطانها وأعمالها العدوانية، ما أدى إلى تعطيل المشروع وتعثر أعماله، نتيجة رفض الجانب العربي الجلوس إلى طاولة واحدة مع إسرائيل.

وفي هذا الحوار، يوضح المساعدة سائر الظروف السياسية والمعنوية التي رافقت المشروع، وصولا إلى استقالته، كما يبين رؤيته للتغيرات باتجاه الديمقراطية التي تحدث في العالم والعربي، وكذلك ضرورة إجراء إصلاحات حقيقية في المملكة. 

وفيما يلي نص الحوار:

 

  • ما هي أسباب استقالتك من منصبك كأمين عام للاتحاد من أجل المتوسط، ولماذا لم تعلن الأسباب في حينها؟

 بعد انهاء مهامي مع الاتحاد، آثرت عدم التحدث في الموضوع، غير أنني رأيت أن من واجبي الآن أن أطلع المواطن الأردني والعربي على فحوى المشروع الأورومتوسطي، وما قمت به أثناء مهمتي كأمين عام، إضافة إلى الأسباب التي دفعتني للاستقالة. عندما وصلت إلى قناعة أن الأمور لا تسير بالطريقة التي تلبي قناعتي لما فيه مصلحة الشعوب، وبما أن الإنسان يتولى المنصب من أجل أن يقدم شيئا ما، وعندما يصل إلى قناعة مفادها أن هذه الغاية لن تتحقق لظروف خارجة عن إرادته وليس بسببه، فلماذا البقاء؟

لا بد لي من العودة إلى تاريخ إنشاء المشروع، لأن أسباب استقالتي مرتبطة بهذا التاريخ، ففي العام 1995 توافقت دول الاتحاد الأوروبي والدول العربية في جنوب وشرق المتوسط على إنشاء مشروع سمي آنذاك "الشراكة الأورومتوسطية" أو ما يعرف لدينا بـ"مسيرة برشلونة".
وكانت الشراكة تهدف إلى تعزيز التعاون السياسي في دول حوض المتوسط، وتحقيق السلم والاستقرار في المنطقة، إضافة إلى تحقيق الاندماج الاقتصادي وخلق حالة من التكامل الثقافي والحضاري بين دول حوض المتوسط الأوروبية والعربية وإسرائيل.

 

وهذه العملية جاءت على خلفية اتفاقية السلام التي وقعت مع إسرائيل، وكانت تأمل أن تخلق خطا اقتصاديا اجتماعيا ثقافيا موازيا للخط السياسي، وكان الحديث عن قيام الدولة الفلسطينية آنذاك قائما.

غير أن مسيرة برشلونة لم تحقق أي شيء ملموس على أرض الواقع، وبقيت إطارا نظريا، ولذلك جاءت مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط لإخراج هذا المسار من حالة الارتباك.

 

  •  ما الفرق بين مسار برشلونة والاتحاد؟

 قالوا حينها إنهم يريدون خلق نوع من التوازن من خلال رئاسة مختلطة من "الجنوب" وأخرى من "الشمال"، وكذلك إنشاء أمانة عامة فاعلة، للخروج من الإطار النظري، وقالوا "نريد مشاريع عملاقة على الأرض لتحقيق الديمقراطية والتعددية والسلم والاستقرار والاندماج الاقتصادي، وسنبحث عن مصادر تمويل لهذه المشاريع".
ولأن المركبة الاقتصادية تجر المركبة السياسية المتعثرة، فكان يؤمل من هذه المشاريع أن تتداخل فيها مصالح الشعوب والدول معا، وبالتالي يحدث تغيير في الجانب السياسي، لكن تلك الفترة شهدت تعثر عملية السلام، ورفض إسرائيل إقامة دولة فلسطينية، إضافة إلى استمرار سياسة الاستيطان.
وأخيرا دعت فرنسا إلى قمة باريس لإنشاء "الاتحاد من أجل المتوسط " في تموز (يوليو) 2008، وكنت عضوا في الوفد الأردني، بصفتي سفيرا للمملكة آنذاك لدى الاتحاد الأوروبي.
وإلى جانب خلق توازن بين الشمال والجنوب، أرادوا إقامة أمانة عامة تغدو ذراعا تنفيذية للمشروع، لتحقق أهدافه، وأكدت كل الدول آنذاك أنها ستوفر مصادر التمويل اللازمة.

 

  • رفضت إسرائيل في بداية المشروع أن تكون جامعة الدول العربية عضوا كاملا، ماذا كان موقفك حينها؟

في اجتماع وزراء الخارجية في مدينة مرسيليا الفرنسية، وُضعت الخطوط العريضة لتشكيل الأمانة العامة، ورفضت إسرائيل دخول جامعة الدول العربية كعضو كامل، وكان رأيي أن الجامعة يجب أن تكون ممثلة تمثيلا كاملا، لأنني أتحدث كشخص له وجهة نظر سياسية عروبية في الموضوع.
ولا يجدر بنا أن نقسم العالم العربي إلى قسمين، شمالي وجنوبي، إذ إن تمثيل الجامعة العربية يعني أن كل الدول العربية ممثلة بشكل مباشر أو غير مباشر، وكنت أدرك أننا عندما نتحدث عن مصادر تمويل عملاقة، فشئنا أم أبينا لا بد أن نذهب إلى دول الخليج، لكن كيف نذهب إليهم إذا لم يكونوا ممثلين؟ ونجحنا في مسعانا، ودخلت جامعة الدول العربية عضوا كاملا في المشروع، وبدأ الخلل المؤسسي في الأمانة العامة للاتحاد منذ ذلك الاجتماع، لأنه تم الاتفاق على أن يكون للأمين العام 6 نواب.

 

  • كيف طُرحت فكرة أن يكون الأمين العام أردنيا؟

  جامعة الدول العربية وأمينها العام طرحا ذلك، وفاتحني الأمين العام عمرو موسى بأن أكون أنا، ثم جرى الترشيح الأردني، وحصل على إجماع من سائر الدول العربية في قمة الدوحة، وأصبحت أمينا عاما لهذا الاتحاد.

 

  • هل رضيت كل الأطراف بهذا الاختيار؟

بعضها لم يعجبه ذلك، وحاول تعطيل الترشيح الأردني، غير أن العدوان الإسرائيلي على غزة عطل إنشاء الأمانة العامة لمدة سنتين، لأن الدول العربية رفضت أن تستمر في المشروع طالما كان هناك عدوان تقوم به دولة عضو على دولة عضو أخرى.

 

  •  متى تسلمت المنصب رسميا؟

بعد سنتين جرى انتخابي وقبول الترشيح الأردني، وتسلمت الموقع في كانون الثاني (يناير) 2010، وفي شهر آذار (مارس) 2010 بدأت العمل، وأقيم افتتاح الأمانة العامة بحضور وزراء خارجية ومسؤولين أوروبيين، وأمين عام الجامعة العربية، ثم بدأت الأمور تأخذ منحى آخر غريبا بعد ذلك التاريخ.

 

  • ما هي هذه الأمور؟

قبلت الترشيح على أساس المعادلة السابقة "مشاريع كبيرة" لأطراف متوافقة على العمل والإنتاج، وعلى أساس أن هذا المشروع سينتج الآثار الاستراتيجية المأمولة من ديمقراطية وتعددية وحقوق إنسان في منطقة المتوسط، إضافة إلى توليد آثار اقتصادية جديدة، والتعاطي مع مسألة سوء الفهم الحضاري بين أوروبا والجانب العربي، وسوء الفهم الديني (حوار الأديان والحضارات) .

 

  •  وما الذي اختلف بعد بدء العمل؟

 أصبحت أشعر بوجود خلافات بين الدول حول المشروع، ولمست أنها لا ترغب بدعم الأمانة العامة على نحو فاعل، وأن المطلوب ليس مقاربة محترفة من هذا الجسم، وإنما عملية تستمر بها سائر الإجراءات التي كانت تتم في السنوات الخمس عشرة الماضية.

 

  •   هل كانت الخلافات سياسية؟

 هناك شق سياسي وآخر فني، فبعد بداية عملي، تعثر الشق السياسي كاملا؛ أولا رفض وزراء الخارجية العرب الحضور إلى أي اجتماع يحضره وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان، بسبب مواقفه المتشددة، ما عطل كل اجتماعات وزراء الخارجية، وما يزال الأمر كذلك ولأجل مفتوح.
والأخطر أن المسألة السياسية أسقطت أيضا على الاجتماعات الوزارية القطاعية، فإما أن هذه الاجتماعات كانت تلغى، أو إذا عقدت فإنها تفشل، ومثال على هذا عقدنا اجتماعا لوزراء المياه العام الماضي، ولم يستطع الوزراء أن يقروا استراتيجية للمياه في منطقة حوض المتوسط، بسبب الخلاف الإسرائيلي العربي، وهنا اتساءل كيف تستطيع ان تبدأ بعمل فني محترف إذا كانت المركبة السياسية معطلة؟

 

  •  هذا التعطيل مسؤولية من؟

  الجانب الاسرائيلي لم يقدم أي شيء إيجابي، وما تزال عملية الاستيطان مستمرة، وموضوع الدولة الفلسطينية ما يزال صعبا وشائكا، والدول العربية تقول لن نجلس على هذه الطاولة طالما أن سياسات الاستيطان مستمرة، وهذه وجهة نظر جديرة بالاحترام بالطبع، وإذا كانت القضية تتمثل بخلق حالة من التعاطي الاقتصادي والاجتماعي والحضاري في المنطقة بين سائر الدول، بما فيها إسرائيل، فعلى كل الأطراف أن تقدم شيئا ملموسا، ولأن عملية السلام تمر بمنعطف خطير جدا، إذن ما هي النتيجة، ولماذا التكامل والتعاطي الاقتصادي والاجتماعي إذا كان الجانب السياسي لا ينتج اي حلول؟
وما زاد الطين بلة، أن قمة الاتحاد أجلت أول مرة من تاريخ 6 /2010، إلى 11/ 2010، ثم مددت إلى أجل مفتوح للأسباب التي ذكرتها ذاتها.

 

  • ماذا كان موقفك حينها من التأجيل المتكرر؟

بدأت منذ أيلول (سبتمبر) 2010، أدلي بتصريحات للإعلام الإسباني بأن عدم وجود اتجاه سياسي فاعل في الاتحاد سيؤثر علينا شئنا أم أبينا، وأننا لا نستطيع العمل، هذا إلى جانب خلافات بين الدول تجاه المشروع، وأن بعض هذه الدول تتجه إلى تطوير شرق أوروبا وأخرى غير معنية بشرق المتوسط، وأخرى لا تريد أن تمول. أما الحالة العربية، فكانت، أيضا، مرتبكة بسبب الوضع الإسرائيلي، ولعدم وجود رؤية عربية مشتركة، فكل دولة تبحث عن علاقاتها الثنائية مع الطرف الأوروبي، بدل أن تكون هناك حالة من التكاملية وأن تتحدث كجهة واحدة، كل هذا كان يردني، وكنت أتعامل معه بشكل يومي.

 

  •   ماذا عن الجانب التقني؟

 الجانب التقني، تحديدا هو ما دفعتني أسبابه إلى الاستقالة، وبدأت عملي بكل جدية وأمانة وإخلاص، وأردت أن أنشئ جهازا تنفيذيا ومؤسسة إقليمية فاعلة وجسما محترفا، لأن استقطاب مشاريع كبيرة يتطلب تقديمها بطريقة احترافية لمؤسسات التمويل العالمية، بخاصة أن الوضع المالي العالمي صعب. كنت أقول لهم كيف أطلب تمويلات ضخمة لمشاريع ضخمة إذا لم يكن ذلك مبنيا على أسس مهنية، ووفق دراسات، وحاولت أن أوجد أمانة عامة محترفة، عملت وحدي لعدد من الأشهر، ولم يكن هناك أي موظف، في البداية قدمت لي الحكومة الإسبانية موظفا أو اثنين، وأشكرها على هذا، وكذلك حكومة كاتلونيا ومدينة برشلونة، وعندما طلبت كوادر لم تكن الدول معنية بإرسال الكوادر المطلوبة، وإذا أرسلت لا تكون كوادر مؤهلة لإدارة مشاريع محترفة معقدة. وبناء على غياب الكوادر قررت أن أضع موازنة مقبولة لأستطيع أن أستقطب كفاءات من القطاع الخاص.

 

  •    كم بلغت هذه الميزانية؟

 قدمت موازنة محترفة تعكس وثائق وخطة عمل بلغت قيمتها 14 مليون يورو، بواسطتي أنا والنواب الستة الذين بدأوا يلتحقون بالعمل حينها، وكل نائب قال ما يحتاجه قطاعه، مثل المياه، والطاقة، والنقل.

 

  •  ما هي الوثائق التي قدمتها؟

 بعد عمل شاق لمدة شهرين، قدمت في آب (أغسطس) من العام ذاته، خمس وثائق مفصلة، تضمنت خطة عمل للأمانة العامة للاتحاد للعام 2011، ووثيقة لكيفية إدارة المشاريع، تضم "الخطوط الإرشادية/ جايد لاين"، إضافة إلى نظام للموظفين والهيكل الإداري.

 

  •  ماذا حصل بهذه الموازنة؟

أنا أتحدث اليوم بعد أن استقلت منذ شهرين، لقد بقيت هذه الوثائق في معرض النقاش والحوار ما يزيد على 5 أشهر، من دون التوصل إلى نتيجة، ثم خفضت الموازنة المقترحة من 14 إلى 6 ملايين يورو، وتم اختزال كل هذه الوثائق بجملة صغيرة من الوثائق من وجهة نظري، ولن تؤدي إلى نتيجة محترفة في العمل، كما حدث شيء خطير آخر، ففي نهاية العام الماضي، أصبح بعض الدول يقول "لا نريد مؤسسة إقليمية، بل نريد مكتبا للقيام بأعمال توافقية لإيجاد مصادر تمويل للمشاريع، وعليه أن يلتزم بما تم تقريره سابقا من قبل الاتحاد الأوروبي"، وأخيرا أقروا الموازنة بقيمة 6 ملايين يورو، ووصل منها إلى حساب الأمانة العامة مليون ونصف المليون فقط .

 

  •   ما هي الخيارات التي كانت أمامك حينها، إذا كان الجانب السياسي معطلا، ولا توجد ميزانية مناسبة لطلب تمويل لمشاريع اقتصادية؟

 إما أن المشروع  لن ينجح أبدا، وبالتالي العودة للمربع الأول من العام 1995، أو أن المشروع إذا قدر له أن يستمر فسيتحول إلى أمر غير فاعل، وستكون الأمانة العامة شبيهة بمؤسسة مجتمع مدني.

عندما وصلت إلى هذه القناعة، ومن قبيل الانسجام مع النفس، ومع المبدأ، ومع ثوابتي الوطنية والعقائدية، القائمة على أنني لم أطلب منصبا بل كنت أسعى لتحقيق غاية أو نتيجة يعم بها الخير على أبناء جلدتي من الدول العربية، وعلى الجانب الأوروبي، بتعاط يقوم على أساس من التكافؤ والاحترام لقيم بعضنا البعض، وتحقيق منافع متبادلة، من دون أنانية، وعندما وصلت إلى قناعة بأنني لن أستطيع أن أحقق ذلك، ولن أكون منسجما مع نفسي ومعتقداتي، ولأنني لم أرد أن أدخل نفسي أو وطني في أي حرج، قررت الاستقالة، غير أنني، وعلى الرغم من كل الصعوبات، أنجزت مهمتي، المتمثلة بإنشاء "الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط".

 

  •    بالنسبة للدول العربية، لماذا وافقت على الانضمام للاتحاد وهي تعرف مسبقا أن إسرائيل عضو، ثم اعترضت على وجودها ورفضت الاجتماع بها؟

  لأن مسار برشلونة كان يضم كل هذه الدول في العام 1994، وحينها كانت الحالة مختلفة، كانوا يأملون أن السلام قادم، لذلك قبلوا، ظنا منهم أن الشق السياسي سيتحرك، وبالتالي سيتحرك الشق الاقتصادي.

وثمة مثال على هذا، إذ كان هنالك مشروع مياه، وقالت لبنان لي: نحن اخترناك أمينا عاما عربيا لمعرفتنا أن المصالح العربية تهمك، وبالتالي نحن نتعامل معك، يعني أننا نتعامل مع عربي وليس مع اسرائيلي.

 

  • انتقالا لما يجري على الساحة العربية من ثورات ، وتزامن استقالتك مع بدايتها، هل لذلك علاقة؟

  عندما قدمت استقالتي كان نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي قد انتهى، وقبل تقديم استقالتي بيوم كانت ثورة الشعب المصري قد بدأت، في ذلك الوقت شعرت بأن التاريخ في العالم العربي يصنع نفسه، وأن منعطفاً لا عودة عنه يحدث.

 

لذلك كنت أدرك أن أحداثا كهذه ستلقي بظلالها على الاتحاد من أجل المتوسط، الذي عجز (وعجزت من قبله مسيرة برشلونة) عن إجابة متطلبات الحرية والعدالة والتعددية التي تنشدها شعوب دول جنوب وشرق المتوسط في الاتحاد، أما اليوم، ومع تفاعل الأحداث ذاتها في عدد كبير من الدول العربية، أصبحت مقتنعاً أكثر بأن حدسي كان في موقعه، وأننا بحاجة إلى مقاربة جديدة للعمل مع أوروبا.

 

  •  ما هي هذه المقاربة التي تعنيها؟ وما هي رؤيتك لما يحدث في عدد من الدول العربية؟

 بالنسبة للجزئية الثانية من السؤال، فأرى أن الشعوب أينما كانت، تصبر ردحاً من الزمن على واقعها لكنها في لحظة زمنية فارقة لا يمكن التنبؤ بوقت حدوثها، وخارج إطار نظرية المؤامرة المعششة في عقل النظام والشارع العربيين، تقرر التغيير.

 

هذا المنعطف التاريخي لا يمكن العودة به إلى الوراء، وهو يغير وجه التاريخ بفعل القوة العظيمة لإرادة الشعوب وحقها بتقرير مصيرها، وإذا ما حدث ذلك، فعلى الجميع أن يعلم بأن قواعد اللعبة تصبح مختلفة، وهو ما يحدث في الدول العربية من المحيط إلى الخليج في أيامنا هذه.
وبحلول نهاية العام الماضي، ساورني بعض من عدم التفاؤل بالمشهد العربي، وخلصت إلى ذلك نتيجة لما اطلعت عليه من واقع أليم أثناء عملي في أوروبا، بخاصة لجهة العمل العربي المشترك، الذي آمنت به على الدوام وما أزال، وتكونت لدي قناعة بأن جيلي الذي يستشرف متوسط عمره، لن يرى حدوث أي تحولات جذرية في دولنا العربية تعيد للمواطن كرامته وحرية عقله وتحرره من عبادة الأنظمة الرسمية، والاستعاضة عن ذلك بالانتماء للأوطان، وتضعه في مكانه الصحيح، ضمن ركب الحضارة الإنسانية، غير أن ثورة الشباب في كل من تونس ومصر، وما أنجزتاه من تغيير، وكذلك الحراك الجاري في أقطار عربية أخرى، كل ذلك جعلني أدرك مجدداً أن الأمة العربية بخير.

ما يحدث في العالم العربي اليوم هو أن التغيير نحو فجر جديد من الحرية والعدالة والديمقراطية والتعددية السياسية وسيادة القانون قد بدأ، وأن الأساس في كل ذلك هو مفهوم المواطنة الحقيقية لسائر مكونات الشعوب المستندة إلى مجموعة واضحة من الحقوق والواجبات، وعلى الأنظمة الرسمية أن تعي ذلك، والذكي هو من يبادر، بكل صدق، لمجاراة هذه التغييرات من دون مواربة، وبأدوات حقيقية على الأرض، وأعتقد أن عواصم غربية مهمة أصبحت تدرك أنه آن الأوان للدفع باتجاه تعزيز الحقوق الأساسية للمواطنين العرب، ضمن إطار دولة القانون، وبشكل جدي.
ووصلت إلى قناعة بأن تكلفة بقاء الأوضاع في الدول العربية كما كانت، أصبحت باهظة بالنسبة لتلك العواصم، وأن تحقيق طموحات الشعوب العربية سيكون مفيداً للجميع، بخاصة إذا ما أخذ المشروع النهضوي التعددي العربي مداه، ضمن ركب الحضارة الإنسانية، لكنني أود أن أؤكد على رفضي المطلق لوصفات الإصلاح المستوردة، لأن المطلوب هو إصلاح وطني شامل من الداخل، يتلمس الهموم الحقيقية للشعوب العربية، ويحاكي طموحات الشباب، بعيداً عن تجار السياسة.

 

أما بالنسبة إلى المقاربة الإصلاحية المطلوبة في العالم العربي، فقد كنت تحدثت بها، وبينت رؤيتي للمطلوب في المشهد العربي في مطلع هذا العام، في مؤتمر دعا له وزير الطاقة والصناعة الفرنسي، بمشاركة عدد من وزراء الخارجية العرب والأوربيين، حول كيفية إعادة بناء علاقة عربية-عربية أولاً، ومن ثم عربية-أوروبية.

هذه المقاربة يجب أن تتضمن برامج تحول سياسي واقتصادي واجتماعي وقانوني وقضائي.

 

  • ماذا عن الشق السياسي؟

 لا بد من الانتقال من السلطة المطلقة إلى التعددية السياسية، من خلال إنضاج العمل الحزبي، واستخدام الأدوات الديمقراطية الحقيقية، إضافة إلى تعزيز حرية الصحافة المسؤولة، وتمكين مؤسسات المجتمع المدني، وتعميق مفاهيم وممارسات المساءلة والمحاسبة والحاكمية الرشيدة.

 

كذلك من غير المعقول أن يستمر الوضع في بلداننا كما هو الآن، فلا أحد يحاسب، ولا أقصد هنا مسائل الفساد، فقط، وإنما أيضا مسألة اتخاذ قرارات سياسية أو اقتصادية معينة، على نحو فردي يؤثر على حياة الشعوب، وإنهاء هذا يتطلب وجود حكومات منتخبة من الشعب، تراقبها وتعارضها حكومات ظل من الأقليات النيابية، وبالتالي يحتكم الجميع، فيما يتعلق بمقدرات الوطن والمواطن، إلى إرادة الشعب من خلال صناديق الاقتراع، ما يضع حد للممارسات الفردية في إدارة الدولة، ويجعل المواطنين شركاء حقيقيين في بناء الوطن. 

 

  •   وصولاً إلى الوضع المحلي، ما هي رؤيتك للحراك السياسي القائم في المملكة والمطالبات بالإصلاح؟ 

 الأردن جزء لا يتجزأ من محيطه الإقليمي، والأحداث التي تلم بالمنطقة ستؤثر حتماً علينا في الداخل، وكذلك على مزاج المواطنين. ما قلته حول رؤيتي للدول العربية ينطبق في أجزاء كثيرة منه على وضعنا الداخلي، وأقول إنه آن الأوان لإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ومجتمعية حقيقية.

 لا أريد أن أقول إننا قد نكون قد تأخرنا نوعاً ما في الإصلاح السياسي، ولكن ليس هذا هو المهم الآن، وإنما علينا أن نقتنص الفرصة ونكف عن التردد ونتعلم مما يحدث للآخرين من حولنا، ونسارع إلى تطبيق عملية إصلاحية شاملة، بعيداً عن النزعة الاتهامية من قبل أي جهة تجاه الآخر.

 

هذا الوطن للجميع، وإنني أرفض أي محاولات لتقسيم المجتمع الأردني على أسس جهوية أو متعلقة بالفكر السياسي ضمن إطار معادلة خطيرة تقوم على الموالاة أو المعارضة، هذا الكلام غير مقبول، وعلى الجميع أن يتحمل مسؤولياته، ولا بد من مأسسة أدوات الحوار بين سائر مكونات المجتمع، والخروج على القانون غير مقبول، لكن حرية الرأي والتعبير يجب أن تبقى مقدسة، فبالحوار والمكاشفة والمصارحة وقبول الآخر، سنجنب الأردن أحداثاً تعصف بدول شقيقة.

 

وعلى الجميع في المشهد السياسي أن يتوقفوا عن سماع أصواتهم فقط، والإصغاء بعقلانية للأغلبية الصامتة من مكونات المجتمع، التي أعتقد أن مشاعرها تجيش كل صباح ومساء بمشاهدة وسماع ما يقوم به أشقاء عرب، لأن هذه الأغلبية تريد إصلاحا حقيقياً يعزز شعورها بأنها فعلاً شريك حقيقي في بناء وحماية هذا الوطن.

 

  •    وكيف يمكن الوصول إلى هذه التعددية السياسية؟

 من خلال أدوات ديمقراطية حقيقية وصحيحة ونزيهة نصل لهذه التعددية المطلوبة، وهي التي تحمي المملكة وتجنبها الأخطار والمؤامرات، ولذلك ينبغي تعزيز العمل السياسي والحزبي المبني على استراتيجيات سياسية واقتصادية واجتماعية، ولن يستقيم الوضع باللون الواحد، فالمجتمع له الحق أن يرى عدة أطياف سياسية ليتسنى له اختيار ما يناسبه.
ومن وجهة نظري، لا بد من ترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تعي كل سلطة صلاحياتها وواجباتها، وما لها وما عليها، وأن يتم بموجب ذلك تعزيز دور السلطة التشريعية لتمارس بحق واجبيها الأساسيين بالرقابة والتشريع، إعمالاً للنص الدستوري بأن الشعب هو مصدر السلطات، ولذلك لا بد من الانتقال بطريقة تشكيل الحكومات إلى مرحلة أخرى، قائمة على التعددية، من خلال مجالس نيابية سياسية اللون، وقادرة ومؤهلة لتنفيذ برامجها المعلنة، بحيث تمارس الأغلبية السلطة وتراقبها في المعارضة أطياف أخرى.

 
 

السيرة الذاتية

معالي الدكتور أحمد خلف مساعده شخصية عامة وقانونية على الصعيدين الاردني والدولي حيث عمل وزيراً وسفيراً وأميناً عاماً لمنظمة دولية، ويعمل حالياً محامياً ومديراً تنفيذياً لشركة خلف مساعده ومشاركوه للمحاماة في عمان.    ولد أحمد مساعده في العاصمة الأردنية عمان بتاريخ 19 أيار 1969، وبعد اجتيازه لامتحانات البكالوريا في كلية دي لا سال الفرنسية (الفرير) في...
اتصل بنا
هاتف :4-3932841 5 00962
فاكس 3932847 5 00962
اتصل بنا
سؤال الأمان
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
11 + 1 =
عليك حل هذا السؤال البسيط وادخال النتيجة . مثال 1 + 3 ، ادخل 4.
Developed by Blue Ray for Web Solutions All rights reserve 2017 ©