الدكتور أحمد مساعدة
الرئيسية »

الفجر العربي الجديد والمشهد الأوروبي - مقال جريدة العرب اليوم

الفجر العربي الجديد والمشهد الأوروبي - مقال جريدة العرب اليوم

كنت قد آثرت الصمت بعد استقالتي من موقع الأمين العام للاتحاد من اجل المتوسط رغم طلبات عدة للتحدث في واقع هذا المشروع والاسباب التي دفعتني للاستقالة. وسامسك اليوم ايضاً عن شرح تلك الاسباب لكون هذا المقال لا يتعلق تحديداً بذلك المشروع ولأن الاحداث التي تداهمنا كل يوم ستحدد الوقت المناسب في المستقبل لتشخيص حال هذا الاتحاد ورؤيتي له. إلا أن الاحداث المتسارعة التي تعصف بمنطقتنا العربية في الوقت الراهن حدت بي أن اعبر عن بعض ما يجول في خاطري ، فتأتي هذه الومضات مستندة الى ما تيسر لي من تجربة في الشأن العربي - الاوروبي - المتوسطي خلال السنوات الماضية.

 

بحلول نهاية العام الماضي كنت اسر الى الاصدقاء عن تشاؤمي الكبير من المشهد العربي ، وقد خلصت الى ذلك نتيجة لما اطلعت عليه من واقع اليم لذلك المشهد اثناء عملي في اوروبا خاصة لجهة العمل العربي المشترك الذي آمنت به على الدوام وما زلت. وتكونت لدي القناعة بأن جيلي ، وهو الجيل الذي استشرف متوسط العمر ، لن يرى حدوث اية تحولات سياسية واقتصادية جذرية في دولنا العربية تعيد للمواطن العربي كرامته وحرية عقله وتحرره من عبادة الأنظمة الرسمية والاستعاضة عن ذلك بالانتماء للاوطان وتضعه في مكانه الصحيح ضمن ركب الحضارة الإنسانية. كم كنت مخطئاً ! لقد اثبت شباب تونس ومصر وعن قريب ليبيا وغيرهم من الشعوب العربية أن بهذه الأمة الخير والقدرة على التغيير.

 

في السنوات الخمس عشرة الماضية تناثرت مبادرات التعاون الأوروبي - العربي بدءاً من مسيرة برشلونة التى رسمت طموحات غير واقعية مستندة الى سلام وشيك التحقق بين العرب واسرائيل يؤدي الى ولادة دولة فلسطينية ( اصبحت اليوم أكثر من أي شيء مضى في مهب الريح ) ومروراً بالحوار المتوسطي لحلف شمال الأطلسي وبرامج سياسة الجوار للإتحاد الأوروبي واتفاقيات الشراكة الأوروبية الثنائية مع دول جنوب المتوسط ومنظومة خمسة + خمسة للدول المغاربية العربية وصولا الى مبادرة الاتحاد من أجل المتوسط بهدف اقامة مشاريع اقليمية لا زالت بعد ثلاث سنوات على طرحها يعوزها الإلتزام الحقيقي والرؤية الواضحة لكيفية الوصول الى اهدافها سواء سياسياً او برامجياً اضافة الى عدم وضوح مصادر التمويل. القاسم المشترك في جميع هذه البرامج الموجهة الى دول جنوب المتوسط هو ارتكازها الى منظمومة المنح والمساعدات والقروض التي تلازمت مع اشتراطات سياسية جرى توجيهها الى برامج محددة تتناسب مع رغبات الجهات المانحة ومصالحها في المنطقة. لم تحقق هذه المبادرات أية آثار جوهرية وملموسة فلم تنعكس على حياة المواطن العربي سواء لجهة تحسن وتنوع فرص عمله وارتفاع معدل دخله وتطور واقعه الاجتماعي أو لجهة تمتعه بمساحات سياسية ديمقراطية اكبر ، وبالتالي لم يشعر بها السواد الأعظم من المواطنين.

 

ما استوقني ودعاني للكتابة اليوم ليس حالة الصحوة التي تعيشها الشعوب العربية على أهمية هذا الموضوع ، إنما التعاطي الأوروبي مع تلك الصحوة الذي يكرر ذاته كما في تعاطيات سابقة. بشكل خاص تنادي بعض الدعوات الاوروبية كما تبين تصريحات المسؤولين الاوروبيين المتلاحقة في الفترة الماضية الى إعادة النظر بالشراكة الاوروبية مع دول جنوب المتوسط ولكنها تدعو ايضاً الى تقديم مساعدات وقروض مالية لتلك الدول العربية التي تعبر حالياً الى فجر جديد سمته الديمقراطية والتعددية والحرية. الاحداث المتلاحقة على الضفة الجنوبية للمتوسط اظهرت بشكل جلي صعوبة ان تتحدث أوروبا بصوت واحد. ومع أنه يجدر الاشادة ببعض المواقف الاوروبية الداعمة لحالة النهضة العربية خاصة في ليبيا الا أن المقلق في الأمر هو أن المشهد الأوروبي ، بظاهره على أقل تقدير ، لا ينبئ باستخدام وسائل مستحدثة وخلاقة تحاكي الواقع العربي الجديد وطموحات شبابه. والمقلق اكثر إذا ما انزلقت الشعوب العربية الباحثة عن التجديد وحكوماتها الانتقالية الى التعاطي مع ذات الوسائل القديمة المقدمة من اوروبا بصيغة جديدة. إن اعادة إنتاج مبادرات تعاون وبرامج سابقة تشاركت بها في الماضي انظمة شمولية واخراج تلك المبادرات بحلة جديدة يراد منها التعاطي مع طموحات الشعوب العربية بالحرية والعدالة والتقدم والديمقراطية لا يمكن أن يكون الطريق الصحيح لا بل سيكون له آثار عكسية.

 

على اوروبا أن تعي بأن الطريقة القديمة للتعاطي مع دول جنوب وشرق المتوسط القائمة على شراكة مشروطة عمادها المنح والمساعدات بين طرف قوي غني وطرف ضعيف فقير لم تؤت اكلها المرجوة ، فقد اتى الرد عليها واضحاً من الشارعين المصري والتونسي بما ينطق بلسان كافة الشعوب العربية الخاضعة لبرامج المنح الاوروبية بأنها لم تشعر بأثر تلك الشراكات ولم تتقدم بها حياتها اليومية بل على العكس اصبحت تلك البرامج محلاً للاستهداف من قبل تلك الشعوب المغلوبة على امرها مشيرة اليها بتهم الفساد والإفساد. إن المطلوب اليوم هو مقاربة جديدة تستند الى الخروج من برامج المنح والمساعدات وحالة التبعية المالية الى حالة من التكافؤ بين الطرفين والاحترام المتبادل لقيم كل منهما عمادها الاساسي التجارة التبادلية والاستثمار وفتح الاسواق والتعاطي مع مسألة الهجرة بعقل منفتح ودون أنانية ضمن هذا السياق. 
كما أن الشعوب في مصر وتونس وليبيا واليمن ، وهم يخطون فجراً جديداً ونموذجا لباقي شعوب المنطقة طالما حلمنا به نحن الجيل الشاب ، إضافة الى شعوب تلك الدول العربية ممن قد يكتنفها ذات القدر ، ان تعي جميعاً بأن احد اهم مفاتيح سيادة قرارها الوطني والاستراتيجي ، اضافة الى التعددية السياسية والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون وانتاج المواطنة الحقيقية لكافة افراد المجتمع ، هو الخروج من برامج المساعدات والمنح الخارجية واستبدالها بالإعتماد على الذات من خلال تنشيط الاقتصادات الوطنية وتعزيز التشابك بين الاسواق والاقتصادات العربية وصولاً لمناطق تجارية حرة ومن ثم سوق مشتركة فيما بينها تعظم المنافع للمواطن العربي وتحسن واقعه المعيشي ، وعندئذ ستتمكن منظومة العمل العربي المشترك من التعاطي بشكل جاد ومتوازن مع المبادرات الاقتصادية الاوروبية وغيرها بما يحقق مصلحة الطرفين دون هيمنة لطرف على الآخر ، وسيمكن ذلك ايضا من تطوير ادوات عمل الجامعة العربية سواء السياسية او الاقتصادية منها. كما أن تكريس مبادئ الشفافية والحاكمية الرشيدة وصياغة وتطبيق نظام مساءلة فاعل وجدي يسري على جميع الاطراف في الدولة سيصل بالناتج القومي الإجمالي لعدد كبير من الدول العربية الى مستوياته الحقيقية مما سيؤدي بالنتيجة الى عدم حاجة تلك الدول للمعونات الخارجية. فالعرب في الأوضاع المثالية ليسوا بحاجة الى مساعدة أحد.

 

لقد بات مؤكداً بأن العالم العربي بدأ رحلة التغيير نحو فجر جديد من الحرية والعدالة والديمقراطية وسيادة القانون ، وعلى أوروبا وغيرها من القوى الغربية أن تجاري ذلك بتغيير في سياساتها وانماط تفكيرها وادواتها الموجهة الى المنطقة العربية. فهل يستقيم المشهد الأوروبي مع الطموح العربي القادم ؟

 

منشور في جريدة العرب اليوم الأردنية بتأريخ 17 أيار 2010 . لمشاهدة المقال على موقع الجريدة انقر هنا :http://www.alarabalyawm.net/pages.php?news_id=301290

date: 
الثلاثاء, مايو 17, 2011

السيرة الذاتية

معالي الدكتور أحمد خلف مساعده شخصية عامة وقانونية على الصعيدين الاردني والدولي حيث عمل وزيراً وسفيراً وأميناً عاماً لمنظمة دولية، ويعمل حالياً محامياً ومديراً تنفيذياً لشركة خلف مساعده ومشاركوه للمحاماة في عمان.    ولد أحمد مساعده في العاصمة الأردنية عمان بتاريخ 19 أيار 1969، وبعد اجتيازه لامتحانات البكالوريا في كلية دي لا سال الفرنسية (الفرير) في...
اتصل بنا
هاتف :4-3932841 5 00962
فاكس 3932847 5 00962
اتصل بنا
سؤال الأمان
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
7 + 8 =
عليك حل هذا السؤال البسيط وادخال النتيجة . مثال 1 + 3 ، ادخل 4.
Developed by Blue Ray for Web Solutions All rights reserve 2017 ©